حمزة حموشان
2023\3\2
الانهيار المناخي واضح في شمال أفريقيا والمنطقة العربية، وهو يقوِّض أسس الحياة البيئية والاجتماعية والاقتصادية. تعاني بلدان مثل الجزائر وتونس والمغرب ومصر من موجات حرّ شديد مُتكرّرة وجفاف مُطوَّل وما يتبعهما من آثار كارثية على الزراعة وصغار المزارعين. في صيف 2021، تعرّضت الجزائر لحرائق غابات غير مسبوقة ومدمّرة، وشهدت تونس موجة حرّ خانقة مع ارتفاع درجات الحرارة إلى نحو 50 درجة مئوية، وعانى جنوب المغرب من جفاف رهيب للعام الثالث على التوالي، فيما فقد 1,100 شخص منازلهم في جنوب شرق مصر بسبب الفيضانات، وأصيب المئات بلدغات عقارب خرجت من الأرض بسبب الظروف المناخية القاسية. في السنوات المقبلة، تتوقّع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC) أن تشهد منطقة المتوسّط اشتداداً في ظواهر الطقس المُتطرّفة مثل حرائق الغابات والفيضانات والجفاف.
تتطلّب معالجة أزمة المناخ العالمية خفضاً سريعاً وجذرياً لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري. مع ذلك، وحتى لو أصبح الانتقال إلى الطاقات المُتجدّدة أمراً لا مفرّ منه، إلّا أن العدالة ليست كذلك. يمكن لهذه التحوّلات أن تحافظ على الممارسات نفسها لانتزاع الملكيّة والاستغلال وإعادة إنتاج الظلم وتعميق التهميش الاجتماعي والإقصاء الاقتصادي.
عادة توصف صحراء شمال أفريقيا ذات الكثافة السكّانية المنخفضة بأنها أرض فارغة شاسعة، فيها فرص لدرِّ للثروات عبر الطاقة المُتجدّدة، وبالتالي تشكّل فرصة ذهبية لتزويد أوروبا بالطاقة الرخيصة لمواصلة أسلوب حياتها المترف والاستهلاك المُفرط للطاقة. مع ذلك، تتجاهل هذه الرواية المضلّلة مسائل الملكية والسيادة وتخفي علاقات السيطرة والهيمنة العالمية المستمرّة، والتي تسهِّل نهب الموارد، وخصخصة المشاعات، والاستيلاء على الملكيات الجماعية أو المشاعية، ما يعزّز بالتالي الطرق غير الديمقراطية والإقصائية لإدارة الانتقال.
تُظهر أمثلة عدّة من منطقة شمال أفريقيا، كيفية إعادة إنتاج استعمار الطاقة حتى عبر الانتقال إلى الطاقة المُتجدّدة، وذلك على شكل استعمار أو تجريد أو استيلاء أخضر.
يستمرّ الاستعمار – على الرغم من أنه انتهى رسمياً - في أشكال أخرى وعلى مستويات مختلفة من ضمنها المجال الاقتصادي، وهذا ما يُسمّيه الأكاديميون والناشطون بالاستعمار الجديد أو إعادة الاستعمار. تُدرَج معظم الاقتصادات الطرفية في الجنوب العالمي في وضعية تابعة ضمن التقسيم العالمي غير العادل للعمل؛ فمن ناحية، تقدّم الموارد الطبيعية الرخيصة وتصنّف كخزّان للعمّالة الرخيصة، ومن ناحية أخرى، تُعدُ سوقاً للاقتصادات الصناعية.
فرض الاستعمار هذا الوضع وشكّله، وفشلت محاولات الانفصال عنه حتى اليوم بسبب الأدوات الجديدة للإخضاع الإمبريالي مثل الديون المُعطّلة، ومعتقدات "التجّارة الحرّة"، وبرامج التكيّف الهيكلي التي تفرضها المؤسّسات المالية الدولية.
لذلك، إذا كنّا جادّين في التخلّي عن الوقود الأحفوري، من المهمّ معاينة الروابط بين الوقود الأحفوري والاقتصاد الأوسع، ومعالجة علاقات القوة والتسلسل الهرمي لنظام الطاقة الدولي. وهذا يعني الاعتراف بأن بلدان الجنوب لا تزال تُستَغل بشكل منهجي من الاقتصاد الاستعماري الإمبريالي المبني على نهب مواردها والنقل المُكثّف للثروة من الجنوب إلى الشمال.
ماذا نعني بالاستعمار الأخضر؟
يمكن فهم الاستعمار الأخضر على أنه امتداد للعلاقات الاستعمارية القائمة على النهب والتجريد، فضلاً عن نزع الصفة الإنسانية عن الآخر، وتحويل التكاليف الاجتماعية والبيئية إلى العصر الأخضر وفترة الطاقة المُتجدّدة.
يعتمد الانتقال الحالي غير المتوازن نحو الطاقات المُتجدّدة، والذي يحدث بشكل أساسي في دول الشمال، على الاستخراج المستمرّ للمعادن النادرة لتصنيع الألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، والشفرات، والبطاريات الكهربائية. ومن أين تأتي هذه الموارد؟ طبعاً من دول الجنوب مثل الكونغو، وبوليفيا، وشيلي، والمغرب حيث يستمرّ تدمير البيئة واستغلال العمالة ويتكثّف.
في الواقع، نواجه النظام الرأسمالي الإمبريالي نفسه إنّما مع مصدر طاقة مختلف: من الوقود الأحفوري إلى الطاقة الخضراء. بينما يتمّ الحفاظ على أنماط الإنتاج والاستهلاك العالمية نفسها التي تستخدم الطاقة بكثافة، والهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية نفسها التي تولّد انعدام المساواة والفقر، فيما يستمرّ نزع الملكية على حاله.
أما بالنسبة للاستيلاء على الأراضي الخضراء فهو مفهوم صيغ للإشارة إلى بعض ديناميكيات الاستيلاء على الأراضي التي تتمّ وفق أجندة يفترض أنها خضراء. بعبارة أخرى، تخصيص الأراضي والموارد لأهداف بيئية مُفترضة: بدءاً من بعض مشاريع حفظ البيئة التي تجرّد مجتمعات السكان الأصليين من أراضيهم، إلى مصادرة الأراضي الجماعية من أجل إنتاج الوقود الحيوي، إلى زرع محطات الطاقة الشمسية الكبيرة ومزارع الرياح على أراضي الزراعة الرعوية من دون موافقة سكّانها والعاملين فيها.
الاستيلاء الأخضر في المغرب وتونس على حساب الأراضي الزراعية
في المغرب، فشلت محطة ورزازات للطاقة الشمسية، التي أُطلِقت في عام 2016، في تحقيق أي من مظاهر العدالة للمجتمعات الأمازيغية الزراعية الرعوية، التي استُخدِمت أراضيها من دون موافقتها من أجل تركيب منشأة بمساحة 3 آلاف هكتار. في النهاية، كان الانتقال غير عادل، ولم يكن للمجتمعات أي كلمة أو قدرة على المقاومة.
بالإضافة إلى ذلك، نفّذ المشروع بدين بقيمة 9 مليارات دولار أميركي من البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي وغيرهما مدعوم بضمانات حكومية مغربية، وهو ما يعني زيادة الدين العام لبلد مثقل به، عدا أن المشروع يسجّل منذ إطلاقه في عام 2016 عجزاً سنوياً بنحو 80 مليون يورو يُغطى من الموازنة العامّة. أخيراً، يستخدم المشروع الطاقة الحرارية المُركّزة (CSP) التي تتطلّب استخداماً كثيفاً للمياه لتبريد النظام وتنظيف الألواح، وهو ما يُعدُّ أمراً شائناً في منطقة شبه قاحلة مثل ورزازات حيث تحوّل استخدامات المياه عن الشرب والزراعة.
يشكّل مشروع نور ميدلت المرحلة الثانية من خطّة الطاقة الشمسية المغربية ويهدف إلى توفير طاقة أكبر من محطة ورزازات. سيكون أحد أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في العالم الذي يجمع بين تقنيات الطاقة الشمسية المركّزة والكهروضوئية. تُشغّل المرافق من قبل شركة الكهرباء الفرنسية للطاقة المتجدّدة، وشركة مصدر الإماراتية، وتكتل غرين أوف أفريكا المغربي، بالشراكة مع الوكالة المغربية للطاقة الشمسية (مازن) لمدة 25 عاماً. تعاقد المشروع حتى الآن على ديون بنحو 4 مليارات دولار من البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي وبنك الاستثمار الأوروبي وغيرها، وسيُبنى على آلاف الهكتارات من الأراضي الجماعية التي تمّت مصادرتها من أصحابها، فيما تحتج قبيلة سيدي عياد الرعوية التي تستخدم تلك الأرض منذ قرون لرعي حيواناتها ضدّ هذا المشروع الذي وصفته بـ "الاحتلال".
يجب ألا ننسى احتلال المغرب للصحراء الغربية. وكما أن بعض المشاريع في المغرب مثل محطات ورزازات وميدلت للطاقة الشمسية يمكن وصفها بأنها "استيلاء أخضر"، لا يختلف الأمر بالنسبة لمشاريع الطاقة المُتجدّدة المماثلة في الأراضي المحتلّة في الصحراء الغربية التي تنفّذ على الرغم من وجود سكّانها الصحراويين فيها. تُستخدم هذه المشاريع المُتجدّدة لترسيخ الاحتلال من خلال تعميق روابط المغرب بالأراضي المحتلّة وبتواطؤ واضح لرأس المال والشركات الأجنبية.
إلى ذلك، تشهد تونس هجمة كبيرة لخصخصة قطاع الطاقة المُتجدّدة، وتقديم حوافز ضخمة للمستثمرين الأجانب لإنتاج الطاقة الخضراء في البلاد وتصديرها. يسمح القانون رقم 2015-12 (المُعدّل في 2019) باستخدام الأراضي الزراعية لمشاريع مُتجدّدة في بلدٍ يعاني من اعتماد حادّ على الغذاء، وهو ما ثبُت خلال تفشّي الجائحة في خضمّ الحرب في أوكرانيا، بما يدفع إلى التساؤل عن المستفيدين الفعليين من الانتقال الطاقوي.
في هذا السياق، يُعدُّ تونور هو خير مثال. إنّه مشروع خاص لروّاد أعمال بريطانيين ومالطيين وتونسيين يهدفون إلى تطوير سلسلة من المشاريع التي ستوفر طاقة منخفضة التكلفة لأوروبا. مجدّداً، تجري عمليات الاستخراج والاستيلاء فيما لا يتمتّع التونسيون أنفسهم باستقلال الطاقة. تؤدّي هذه المشاريع المُتجدّدة الضخمة، من خلال إعلان نواياها الحسنة، إلى التغطية على الممارسات الاستغلالية والنهب الوحشي. يبدو أن مُخططاً استعمارياً مألوفاً يتم طرحه أمام أعيننا، يتمثّل بالتدفق غير المُقيّد للموارد الطبيعية الرخيصة (بما فيها الطاقة الخضراء) من الجنوب العالمي إلى الشمال الغني، فيما تبني أوروبا الجدران والأسوار لمنع البشر من الوصول إلى شواطئها.
بينما تصوِّر بعض الحكومات الغربية نفسها على أنها مؤيّدة للبيئة من خلال حظر التكسير داخل حدودها وتحديد أهداف خفض انبعاثات الكربون، فإنها تقدّم الدعم الدبلوماسي لشركاتها المتعدّدة الجنسيات لاستغلال موارد الصخر الزيتي في مستعمراتها السابقة، وهذا ما فعلته فرنسا مع شركة توتال في الجزائر، ما يشكّل تمظهراً حقيقياً لاستعمار الطاقة والعنصرية البيئية. نشهد أيضاً المزيد من مشاريع الوقود الأحفوري في مناطق مختلفة من العالم من ضمنها شمال أفريقيا وشرق البحر الأبيض المتوسّط، ما دفع بعض المحلّلين إلى المحاججة بأننا نشهد توسّعاً بدلاً من انتقالاً في الطاقة.
في سياق الحرب في أوكرانيا ومحاولات الاتحاد الأوروبي لإنهاء اعتماده على الغاز الروسي، تمّ تعزيز التوسّع في الطاقة، ومن الأمثلة اتفاقية إيطاليا والجزائر التي تعِد بزيادة إمدادات الغاز إلى إيطاليا. في الواقع، ستضخّ سونطراك الجزائرية وإيني الإيطالية 9 مليارات متر مكعب إضافية سنوياً من 2023 إلى 2024، وسيحصل الاتحاد الأوروبي أيضاً على شحنات الغاز الطبيعي المُسال من مصر وإسرائيل وقطر.
لأمن الطاقة أولوية على كلّ شيء آخر من وجهة نظر الاتحاد الأوروبي، لذلك نشهد مزيداً من الاعتماد على الغاز ومسار الانتقال الأخضر في تلك البلدان.
في حالة البلدان الغنية بالوقود الأحفوري مثل الجزائر وغيرها في المنطقة، يجب أن تكون بعض التعويضات المالية من الشمال الغني مطروحة على الطاولة لإبقاء النفط في باطن الأرض. يحتاج دعاة العدالة المناخية أيضاً إلى بناء تحالفات واعية بين الحركات العمّالية وحركات ومنظّمات العدالة الاجتماعية والبيئية. نحن بحاجة إلى إيجاد طريقة لإشراك العاملين في صناعة النفط في المناقشات حول الانتقال والوظائف الخضراء، لأن الانتقال لن يتم من دونهم.
الهيدروجين الأخضر: الحدود الجديدة للتراكم في شمال أفريقيا
يُعدُّ الترويج الجديد للهيدروجين الأخضر غطاءً آخر لصناعة الوقود الأحفوري لمواصلة عمليّات الاستخراج. لا يمكن السماح بتوسيع العلاقات الاستعمارية الجديدة وتعزيزها في بعض المشاريع التي يُعدّها الاتحاد الأوروبي وتشجّع شمال أفريقيا على إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر إلى أوروبا. استراتيجية الاتحاد الأوروبي للهيدروجين في إطار الصفقة الأوروبية الخضراء هي خارطة طريق طموحة للتحوّل نحو الهيدروجين الأخضر بحلول عام 2050، وهي تقترح أن يؤمّن الاتحاد الأوروبي بعض إمداداته المستقبلية من أفريقيا، وتحديداً شمال أفريقيا القريبة جغرافياً ولديها إمكانات ضخمة للطاقة المتجددة.
لقد أصبح الأمر أكثر أهمّية في سياق الحرب في أوكرانيا. بالأساس، يُعدُّ استبدال الغاز الأحفوري بالهيدروجين من مصادر الطاقة المُتجدّدة هدفاً رئيسياً لخطة المفوضية الأوروبية لإنهاء الاعتماد على الغاز الروسي (REPowerEU). وبالإضافة إلى نقل مورّدي الغاز من بوتين إلى الأنظمة الاستبدادية الأخرى مثل الجزائر وأذربيجان ومصر وقطر، أو دولة الفصل العنصري الاستيطاني إسرائيل، وبناء المزيد من الموانئ وخطوط الأنابيب لاستيراد ونقل الغاز، أيضاً ضاعفت مفوّضية الاتحاد الأوروبي أهداف الهيدروجين أربع مرّات، من 5 ملايين طن إلى 20 مليون بحلول عام 2030، على أن تستورد نصفها من شمال أفريقيا، ودول أخرى مُدرجة ضمن القائمة المستهدفة مثل ناميبيا، وجنوب أفريقيا، والكونغو، وتشيلي، والسعودية.
يميل مشروع دزيرتيك أيضاً إلى هذا الاتجاه، بل ويدفع لاستخدام البنية التحتية الحالية لأنابيب الغاز لتصدير الهيدروجين من شمال أفريقيا. أُطلِق المشروع في عام 2009 من قبل تحالف من الشركات الصناعية والمؤسّسات المالية الأوروبية، وهو مبادرة طموحة تهدف إلى تزويد أوروبا بالطاقة من محطّات الطاقة الشمسية الصحراوية ومزارع الرياح المُمتدّة عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد قام بالأساس على أن مساحة صغيرة من الصحراء يمكن أن توفّر نحو 20 في المئة من كهرباء أوروبا بحلول عام 2050 عبر كابلات التوتر العالي. بعد سنوات من الترويج، توقّف مشروع دزيرتيك وطالته انتقادات تتعلّق بتكاليفه الفلكية ودلالاته الاستعمارية الجديدة. مع ذلك، بذلت محاولات لإحيائه باسم دزيرتيك 2 مع التركيز على السوق المحلّية للطاقة المُتجدّدة، وفي النهاية أعيد إحياؤه باسم دزيرتيك 3 الذي يهدف إلى تلبية طلب أوروبا على الهيدروجين. في الأساس، يدعو المشروع إلى تبديل مصدر الطاقة فقط مع الحفاظ على الديناميكيات الاستبدادية القائمة والتراتبية الهرمية للنظام الدولي الأمبريالي.
فضلاً عن ذلك، يشير بيان دزيرتيك إلى أنه "إمكانية إنتاج كمية كبيرة من الهيدروجين في المرحلة الأولى عبر تحويل الغاز الطبيعي، وتخزين انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في حقول فارغة للغاز والنفط في شمال أفريقيا". إلى جانب استخدام موارد المياه النادرة والتلوّث المحتمل من تحلية المياه، يمكن اعتبار هذه العملية مثالاً آخر لإلقاء النفايات في الجنوب العالمي ونقل التكاليف البيئية من الشمال إليه.
لا يتعلّق الانتقال الأخضر بالطاقة فقط، بل يجب تغيير الطريقة التي نزرع بها، خصوصاً أن الصناعات الغذائية والزراعية هي من الأماكن التي تتقاطع فيه الهيمنة الإمبريالية مع تغيّر المناخ. فهي لا تسهم في تغيّر المناخ فحسب، بل تترك العديد من البلدان في الجنوب أسرى لنموذج زراعي غير مُستدام ومدمّر، يعتمد على تصدير عدد قليل من المحاصيل النقدية واستنفاد الأراضي والموارد المائيّة النادرة في المناطق القاحلة وشبه القاحلة مثل مصر وتونس والمغرب. وفي بعض الحالات نلتمس ضغوطاً لإنتاج الوقود الزراعي من أجل تصديره إلى أوروبا، ما يقوّض بالتالي السيادة الغذائية للسكّان المحلّيين.
البدائل: الانتقال العادل
يمكن أن يوفّر إطار عمل الانتقال العادل بعض العناصر المهمّة للتفكير عندما يتعلّق الأمر بالبدائل.
تجذّرر المفهوم الأصلي للانتقال العادل في بناء تحالفات بين العمّال في الصناعات الملوِّثة والمجتمعات الأكثر تأثّراً بها في خلال سبعينيات القرن الماضي في الولايات المتّحدة، واكتسب شعبية باعتباره إطار عمل قوّياً بين النشطاء البيئيين والنقابات العمّالية في العقود التالية في أجزاء مختلفة من العالم، يعبِّر عن مطالب العمّال المرتبطة بالصراعات البيئية، ويوحّد أشكالاً مختلفة من المقاومة ضدّ النموذج الاقتصادي السياسي الذي يدمّر الكوكب، ويركّز الثروة، ويستغلّ العمّال بشكل متزايد في جميع أنحاء العالم مع تداعي آثاره بشكل غير متناسب على المجتمعات المُهمّشة.
نعلم أن النظام الاقتصادي الحالي يقوِّض أنظمة دعم الحياة على الأرض، وبالتالي هو غير مُستدام. لذلك، أصبح الانتقال أمراً لا مفرّ منه ولو أن العدالة لم تجاريه بعد.
في هذا السياق، يُعدُّ الانتقال العادل إطاراً للتحوّل العادل نحو اقتصاد مُستدام بيئياً ومنصفاً وعادلاً لجميع أعضائه، هو يعني الانتقال من نظام اقتصادي مبني على استخراج الموارد واستغلال الناس إلى نظام يستعيد الأراضي ويجدّدها ويحفظ حقوق الناس وكرامتهم.
تلحظ الرؤية المتينة والجذرية للانتقال العادل التدمير البيئي، والاستخراج الرأسمالي، والعنف الإمبريالي، وانعدام المساواة، والاستغلال، والتهميش على مستويات العرق والطبقة والجنس، بوصفها آثار مُتزامنة لنظام عالمي واحد يجب تغييره. في المبدأ، إنّ "الحلول" التي تحاول معالجة بُعداً واحداً مثل الكارثة البيئية، بمعزل عن البُنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي أدّت إلى ظهورها، ستظل حتماً "حلولاً خاطئة".
يتطلّب الانتقال العادل اعتبارات مختلفة بحسب السياق. يجب أن نكون حسّاسين لحقيقة أن التفاوتات العالمية والتاريخية الهائلة واستمرارها هي جزء ممّا يجب تغييره لتحقيق مجتمع عادل ومستدام. ما قد ينجح في أوروبا لا يجب أن يكون بالضرورة قابلاً للتطبيق في أفريقيا، وما قد ينجح في مصر قد لا ينجح في جنوب أفريقيا، وما قد ينجح في المناطق الحضرية في المغرب قد لا يكون صالحاً للمناطق الريفية هناك. ما يعني أنّنا بحاجة إلى أن نكون مبدعين، وأن يكون لدينا مقاربات لامركزية موجّهة من السكّان المحليين أنفسهم.
يجب أن يكون الانتقال الأخضر تحت السيطرة الديمقراطية للعمّال والمجتمعات، ولا يمكن تركه للقطاع الخاص والشركات. وهذا يتطلّب استثمارات عامّة ضخمة في الطاقة المُتجدّدة والنقل العام وتنويع الاقتصادات بعيداً من الوقود الأحفوري، وكذلك يتطلّب عدالة ضريبية، وإلغاء الديون، ووقف هروب رأس المال من البلدان الطرفية.
يجب أن يأتي معظم التمويل من دول الشمال من خلال الديون البيئية والتعويضات المناخية التي يجب دفعها إلى دول الجنوب. يجب أيضاً تحويل العلاقات التجارية نحو المزيد من العدالة والإنصاف لإنهاء قرونٍ من التبادل الاقتصادي والبيئي غير المُتكافئ. وهو ما سيحتاج إلى إعطاء مساحة للقرارات السيادية التي قوّضت من خلال آليّات وأحكام النزاعات الدولية في المعاهدات التجارية التي سمحت للشركات المتعدّدة الجنسيات بمقاضاة الحكومات التي تجرؤ على المسّ بنهجها عبر قوانين العمل أو البيئة.
هناك حديث دائم عن نقص في الخبرة التكنولوجية المحلّية تدفع الشركات البرى إلى إنشاء هذه المشاريع الضخمة في الجنوب: لكن لماذا يحصل ذلك؟ أليس بسبب علاقات الهيمنة المستمرّة والاستيلاء على الثروة؟ ألا يعود ذلك إلى احتكار التكنولوجيا ونظام الملكية الفكرية الذي أظهر وحشيته في ظل الوباء الحالي؟ أليس بسبب برامج التكيّف الهيكلي المفروضة التي قوّضت الخدمات العامّة والبحث العلمي؟ من أجل انتقال سريع وعادل على الصعيد العالمي، يجب إنهاء احتكارات التكنولوجيا والمعرفة الخضراء وإتاحتها لبلدان ومجتمعات الجنوب.
من نواحٍ كثيرة، توفّر لنا أزمة المناخ والانتقال الأخضر الضروري فرصة لإعادة تشكيل السياسة العالمية، بما يتطلّبه من قطيعة مع المشاريع العسكرية والاستعمارية والنيوليبرالية الحالية. لذلك، يجب أن يكون النضال من أجل الانتقال العادل والعدالة المناخية ديمقراطياً، وأن يشرك المجتمعات الأكثر تضرراً، وأن يوجَّه نحو تلبية احتياجات الجميع، لأنه بناء لمستقبل يتمتّع فيه الجميع بطاقة كافية وبيئة نظيفة وآمنة، مستقبل ينسجم مع المطالب الثورية للانتفاضات الأفريقية والعربية بالسيادة الشعبية والخبز والحرّية والعدالة الاجتماعية.
[1]See Nkrumah, K. (1965). Neo-Colonialism, the Last Stage of imperialism. Marxists.org. https://www.marxists.org/subject/africa/nkrumah/neo-colonialism/introduction.htm
[2] See Petitjean, O. & Chapelle, S. (2016, June 2). Shale Gas: How Algerians against the Regime and Foreign Oil Companies. Multinationals Observatory. https://multinationales.org/en/investigations/shale-gas-how-algerians-rallied-against-the-regime-and-foreign-oil-companies-181/; and AFP. (2022, September 7). EU Seeks Closer Ties with Gas-Rich Qatar Amid Energy Crisis. AlArabiya News. https://english.alarabiya.net/business/energy/2022/09/07/EU-seeks-closer-ties-with-gas-rich-Qatar-amid-energy-crisis
[3] See Amouzai, A & Kay, S. (2021, September 22). Toward a Just Recovery from the Covid-19 Crisis. TNI. https://www.tni.org/en/publication/towards-a-just-recovery-from-the-covid-19-crisis; The Working Group of Food Sovereignty – Tunisia. (2019). Our Food, Our Farming, Our Sovereignty: Analysis of Tunisian Policies in Light of Food Sovereignty. Siyada.org. https://bit.ly/3CfnHMg, pp. 11-12; ATTAC/CADTM. (2019, November 24). For food sovereignty in Morocco: A field study on agricultural policy and resource robbery. CADTM.org. https://www.cadtm.org/spip.php?page=imprimer&id_article=17880; Hamouchene, H. (2019, September). The Algerian peasantry between colonial dispossession and the upheavals of Infitah. http://annd.org/arabwatch2019/righttofood/en/index.pdf, pp. 200-219; El Nour, S. (2017). Land, Farmers, and Investors: A study of agrarian questions in Egypt. Cairo: AlMaraya for Cultural Production, 1st ed.